فصل: تفسير الآيات (33- 35):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان المشهور بـ «تفسير القرطبي»



.تفسير الآيات (31- 32):

{وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى (32)}
قوله تعالى: {وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} اللام متعلقة بالمعنى الذي دل عليه {وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ} كأنه قال: هو مالك ذلك يهدي من يشاء ويضل من يشاء ليجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
وقيل: {لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ} معترض في الكلام، والمعنى: إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى ليجزي.
وقيل: هي لام العاقبة، أي ولله ما في السموات وما في الأرض، أي وعاقبة أمر الخلق أن يكون فيهم مسي ومحسن، فللمسيء السوأى وهي جهنم، وللمحسن الحسنى وهي الجنة. قوله تعالى: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} فيه ثلاث مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ} هذا نعت للمحسنين، أي هم لا يرتكبون كبائر الإثم وهو الشرك، لأنه أكبر الآثام. وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي {كبير} على التوحيد وفسره ابن عباس بالشرك. {وَالْفَواحِشَ} الزنى: وقال مقاتل: {كَبائِرَ الْإِثْمِ} كل ذنب ختم بالنار. {وَالْفَواحِشَ} كل ذنب فيه الحد. وقد مضى في النساء القول في هذا. ثم استثنى استثناء منقطعا وهي: المسألة الثانية: فقال: {إِلَّا اللَّمَمَ} وهي الصغائر التي لا يسلم من الوقوع فيها إلا من عصمه الله وحفظه. وقد اختلف في معناها، فقال أبو هريرة وابن عباس والشعبي: {اللَّمَمَ} كل ما دون الزنى. وذكر مقاتل بن سليمان: أن هذه الآية نزلت في رجل كان يسمى نبهان التمار، كان له حانوت يبيع فيه تمرا، فجاءته امرأة تشتري منه تمرا فقال لها: إن داخل الدكان ما هو خير من هذا، فلما دخلت راودها فأبت وانصرفت فندم نبهان، فأتى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول الله! ما من شيء يصنعه الرجل إلا وقد فعلته إلا الجماع، فقال: «لعل زوجها غاز» فنزلت هذه الآية، وقد مضى في آخر هود وكذا قال ابن مسعود وأبو سعيد الخدري وحذيفة ومسروق: إن اللمم ما دون الوطي من القبلة والغمزة والنظرة والمضاجعة.
وروى مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: زنى العينين النظر، وزني اليدين البطش، وزني الرجلين المشي، وإنما يصدق ذلك أو يكذبه الفرج، فإن تقدم كان زنى وإن تأخر كان لمما.
وفي صحيح البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة فزنى العينين النظر وزني اللسان النطق والنفس تتمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه». والمعنى: أن الفاحشة العظيمة والزنى التام الموجب للحد في الدنيا والعقوبة في الآخرة هو في الفرج وغيره له حظ من الإثم. والله أعلم.
وفي رواية أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى مدرك لا محالة فالعينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش والرجل زناها الخطا والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج ويكذبه». خرجه مسلم. وقد ذكر الثعلبي حديث طاوس عن ابن عباس فذكر فيه الاذن واليد والرجل، وزاد فيه بعد العينين واللسان: «وزني الشفتين القبلة». فهذا قول.
وقال ابن عباس أيضا: هو الرجل يلم بذنب ثم يتوب. قال: ألم تسمع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقول:
إن يغفر الله يغفر جما ** وأى عبد لك لا ألما

رواه عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس. قال النحاس: هذا أصح ما قيل فيه وأجلها إسنادا.
وروى شعبة عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس في قول الله عز وجل: {إِلَّا اللَّمَمَ} قال: هو أن يلم العبد بالذنب ثم لا يعاوده، قال الشاعر:
إن تغفر اللهم تغفر جما ** وأى عبد لك لا ألما

وكذا قال مجاهد والحسن: هو الذي يأتي الذنب ثم لا يعاوده، ونحوه عن الزهري، قال: اللمم أن يزني ثم يتوب فلا يعود، وأن يسرق أو يشرب الخمر ثم يتوب فلا يعود. ودليل هذا التأويل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ} الآية. ثم قال: {أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ} فضمن لهم المغفرة، كما قال عقيب اللمم:
{إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ} فعلى هذا التأويل يكون {إِلَّا اللَّمَمَ} استثناء متصل. قال عبد الله بن عمرو بن العاص: اللمم ما دون الشرك.
وقيل: اللمم الذنب بين الحدين وهو ما لم يأت عليه حد في الدنيا، ولا توعد عليه بعذاب في الآخرة تكفره الصلوات الخمس. قاله ابن زيد وعكرمة والضحاك وقتادة. ورواه العوفي والحكم بن عتيبة عن ابن عباس.
وقال الكلبي: اللمم على وجهين: كل ذنب لم يذكر الله عليه حدا في الدنيا ولا عذابا في الآخرة، فذلك الذي تكفره الصلوات الخمس ما لم يبلغ الكبائر والفواحش. والوجه الآخر هو الذنب العظيم يلم به الإنسان المرة بعد المرة فيتوب منه. وعن ابن عباس أيضا وأبي هريرة وزيد بن ثابت: هو ما سلف في الجاهلية فلا يؤاخذهم به. وذلك أن المشركين قالوا للمسلمين: إنما كنتم بالأمس تعملون معنا فنزلت وقاله زيد بن أسلم وابنه، وهو كقوله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ}.
وقيل: اللمم هو أن يأتي بذنب لم يكن له بعادة، قاله نفطويه. قال: والعرب تقول ما يأتينا إلا لماما، أي في الحين بعد الحين. قال: ولا يكون أن يلم ولا يفعل، لان العرب لا تقول ألم بنا إلا إذا فعل الإنسان لا إذا هم ولم يفعله.
وفي الصحاح: وألم الرجل من اللمم وهو صغائر الذنوب، ويقال: هو مقاربة المعصية من غير مواقعة. وأنشد غير الجوهري:
بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب ** وقل إن تملينا فما ملك القلب

أي اقرب.
وقال عطاء بن أبي رباح: اللمم عادة النفس الحين بعد الحين.
وقال سعيد ابن المسيب: هو ما ألم على القلب، أي خطر.
وقال محمد بن الحنفية: كل ما هممت به من خير أو شر فهو لمم. ودليل هذا التأويل قوله عليه الصلاة والسلام: «إن للشيطان لمة وللملك لمة» الحديث. وقد مضى في البقرة عند قوله تعالى: {الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ}.
وقال أبو إسحاق الزجاج: أصل اللمم والإلمام ما يعمله الإنسان المرة بعد المرة ولا يتعمق فيه ولا يقيم عليه، يقال: ألممت به إذا زرته وانصرفت عنه، ويقال: ما فعلته إلا لمما وإلماما: أي الحين بعد الحين. وإنما زيارتك إلمام، ومنه إلمام الخيال، قال الأعشى:
ألم خيال من قتيلة بعد ما ** وهى حبلها من حبلنا فتصرما

وقيل: إلا بمعنى الواو. وأنكر هذا الفراء وقال: المعنى إلا المتقارب من صغار الذنوب.
وقيل: اللمم النظرة التي تكون فجأة. قلت: هذا فيه بعد إذ هو معفو عنه ابتداء غير مؤاخذ به، لأنه يقع من غير قصد واختيار، وقد مضى في النور بيانه. واللمم أيضا طرف من الجنون، ورجل ملموم أي به لمم. ويقال أيضا: أصابت فلانا لمة من الجن وهي المس والشيء القليل، قال الشاعر:
فإذا وذلك يا كبيشة لم يكن ** إلا كلمة حالم بخيال

الثالثة: قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ} لمن تاب من ذنبه واستغفر، قاله ابن عباس.
وقال أبو ميسرة عمرو بن شرحبيل وكان من أفاضل أصحاب ابن مسعود: رأيت في المنام كأني دخلت الجنة فإذا قباب مضروبة، فقلت: لمن هذه؟ فقالوا: لذي الكلاع وحوشب، وكانا ممن قتل بعضهم بعضا، فقلت: وكيف ذلك؟ فقالوا: إنهما لقيا الله فوجداه واسع المغفرة. فقال أبو خالد: بلغني أن ذا الكلاع أعتق اثني عشر ألف بنت. قوله تعالى: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ} من أنفسكم {إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} يعني أباكم آدم من الطين وخرج اللفظ على الجمع. قال الترمذي أبو عبد الله: وليس هو كذلك عندنا، بل وقع الإنشاء على التربة التي رفعت من الأرض، وكنا جميعا في تلك التربة وفي تلك الطينة، ثم خرجت من الطينة المياه إلى الأصلاب مع ذرو النفوس على اختلاف هيئتها، ثم استخرجها من صلبها على اختلاف الهيئات، منهم كالدر يتلألأ، وبعضهم أنور من بعض، وبعضهم أسود كالحممة، وبعضهم أشد سوادا من بعض، فكان الإنشاء واقعا علينا وعليه. حدثنا عيسى ابن حماد العسقلاني قال: حدثنا بشر بن بكر، قال: حدثنا الأوزاعي، قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عرض علي الأولون والآخرون بين يدي حجرتي هذه الليلة فقال قائل: يا رسول الله! ومن مضى من الخلق؟ قال: نعم عرض علي آدم فمن دونه فهل كان خلق أحد قالوا: ومن في أصلاب الرجال وبطون الأمهات؟ قال: نعم مثلوا في الطين فعرفتهم كما علم آدم الأسماء كلها». قلت: وقد تقدم في أول الأنعام أن كل إنسان يخلق من طين البقعة التي يدفن فيها. {وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ} جمع جنين وهو الولد ما دام في البطن، سمي جنينا لاجتنانه واستتاره. قال عمرو بن كلثوم:
هجان اللون لم تقرأ جنينا

وقال مكحول: كنا أجنة في بطون أمهاتنا فسقط منا من سقط وكنا فيمن بقي، ثم صرنا رضعا فهلك منا من هلك وكنا فيمن بقي، ثم صرنا يفعة فهلك منا من هلك، وكنا فيمن بقي ثم صرنا شبابا فهلك منا من هلك وكنا فيمن بقي، ثم صرنا شيوخا- لا أبالك!- فما بعد هذا ننتظر؟!.
وروى ابن لهيعة عن الحرث بن يزيد عن ثابت بن الحرث الأنصاري قال: كانت اليهود تقول إذا هلك لهم صبي صغير: هو صديق، فبلغ ذلك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: «كذبت يهود ما من نسمة يخلقها الله في بطن أمه إلا أنه شقي أو سعيد» فأنزل الله تعالى عند ذلك هذه الآية: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} إلى آخرها. ونحوه عن عائشة: «كان اليهود». بمثله. {فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ} أي لا تمدحوها ولا تثنوا عليها، فإنه أبعد من الرياء وأقرب إلى الخشوع. {هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى} أي أخلص العمل واتقى عقوبة الله، عن الحسن وغيره. قال الحسن: قد علم الله سبحانه كل نفس ما هي عاملة، وما هي صانعة، وإلى ما هي صائرة. وقد مضى في النساء الكلام في معنى هذه الآية عند قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ} فتأمله هناك.
وقال ابن عباس: ما من أحد من هذه الامة أزكيه غير رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. والله تعالى أعلم.

.تفسير الآيات (33- 35):

{أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (33) وَأَعْطى قَلِيلاً وَأَكْدى (34) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى (35)}
قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى} الآيات لما بين جهل المشركين في عبادة الأصنام ذكر واحدا منهم معينا بسوء فعله. قال مجاهد وابن زيد ومقاتل: نزلت في الوليد بن المغيرة، وكان قد اتبع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على دينه فعيره بعض المشركين، وقال: لم تركت دين الأشياخ وضللتهم وزعمت أنهم في النار؟ قال: إني خشيت عذاب الله، فضمن له إن هو أعطاه شيئا من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الله، فأعطى الذي عاتبه بعض ما كان ضمن له ثم بخل ومنعه فانزل الله تعالى هذه الآية.
وقال مقاتل: كال الوليد مدح القرآن ثم أمسك عنه فنزل: {وَأَعْطى قَلِيلًا} أي من الخير بلسانه {وَأَكْدى} أي قطع ذلك وأمسك عنه. وعنه أنه أعطى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عقد الايمان ثم تولى فنزلت: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى} الآية.
وقال ابن عباس والسدي والكلبي والمسيب ابن شريك: نزلت في عثمان بن عفان رضي الله عنه كان يتصدق وينفق في الخير، فقال له أخوه من الرضاعة عبد الله بن أبي سرح: ما هذا الذي تصنع؟ يوشك ألا يبقى لك شي. فقال عثمان: إن لي ذنوبا وخطايا، وإني أطلب بما أصنع رضا الله تعالى وأرجو عفوه! فقال له عبد الله: أعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها. فأعطاه وأشهد عليه، وأمسك عن بعض ما كان يصنع من الصدقة فأنزل الله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى. وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى} فعاد عثمان إلى أحسن ذلك وأجمله. ذكر ذلك الواحدي والثعلبي.
وقال السدي أيضا: نزلت في العاص بن وائل السهمي، وذلك أنه كان ربما يوافق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وقال محمد بن كعب القرظي: نزلت في أبي جهل ابن هشام، قال: والله ما يأمر محمد إلا بمكارم الأخلاق، فذلك قوله تعالى: {وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى}.
وقال الضحاك: هو النضر بن الحرث أعطى خمس قلائص لفقير من المهاجرين حين ارتد عن دينه، وضمن له أن يتحمل عنه مأثم رجوعه. واصل {أَكْدى} من الكدية يقال لمن حفر بئرا ثم بلغ إلى حجر لا يتهيأ له فيه حفر: قد أكدى، ثم استعملته العرب لمن أعطى ولم يتمم، ولمن طلب شيئا ولم يبلغ آخره.
وقال الحطيئة:
فأعطى قليلا ثم أكدى عطاءه ** ومن يبذل المعروف في الناس يحمد

قال الكسائي وغيره: أكدى الحافر وأجبل إذا بلغ في حفره كدية أو جبلا فلا يمكنه أن يحفر. وحفر فأكدى إذا بلغ إلى الصلب. ويقال: كديت أصابعه إذا كلت من الحفر. وكديت يده إذا كلت فلم تعمل شيئا. وأكدى النبت إذا قل ريعه، وكدت الأرض تكدو كدوا وكدوا فهي كادية إذا أبطأ نباتها، عن أبى زيد. وأكديت الرجل عن الشيء رددته عنه. وأكدى الرجل إذا قل خيره. وقوله: {وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى} أي قطع القليل. قوله تعالى: {أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى} أي أعند هذا المكدي علم ما غاب عنه من أمر العذاب؟. {فَهُوَ يَرى} أي يعلم ما غاب عنه من أمر الآخرة، وما يكون من أمره حتى يضمن حمل العذاب عن غيره، وكفى بهذا جهلا وحمقا. وهذه الرؤية هي المتعدية إلى مفعولين والمفعولان محذوفان، كأنه قال: فهو يرى الغيب مثل الشهادة.